أحمد بن محمد المقري التلمساني
292
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وتستمدّ منه أنواء الهداية ، وهو على ساحل البحر المحيط بخارج مدينة سلا المحروسة ، وقد زرته وللّه الحمد عند توجّهي إلى حضرة مراكش سنة ألف وتسعة ، والناس يشدّون الرحال إليه من أقطار المغرب ، نفعنا اللّه تعالى به ، وأعاد علينا من بركاته ! بجاه نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم . رجع إلى مشايخ لسان الدين الوزير ابن الخطيب رحمه اللّه تعالى : [ أبو عبد اللّه محمد بن علي الفخار البيري ] ومنهم الأستاذ المحقّق العلامة الكبير النحوي الشهير أبو عبد اللّه محمد بن علي الفخار البيري « 1 » ، رحمه اللّه تعالى ! . كان شيخ النحاة بالأندلس غير مدافع ، وأخذ عنه خلق كثيرون كالشاطبي أبي إسحاق صاحب شرح الألفية والوزير ابن زمرك وغيرهما ، وقد حكى عنه مسائل غريبة تلميذه الشاطبي ، وقال لسان الدين في « الإحاطة » في ترجمة مشيخته ما صورته : ولازمت قراءة العربية والفقه والتفسير والمعتمد عليه العربية على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد اللّه بن الفخار البيري ، الإمام المجمع على إمامته في فنّ العربية ، المفتوح عليه من اللّه تعالى فيها حفظا واطّلاعا واضطلاعا ونقلا وتوجيها بما لا مطمع فيه لسواه ؛ انتهى . ولنورد بعض فوائد ابن الفخار فنقول : ومن فوائد ابن الفخار المذكور التي حكاها عنه الشاطبي قوله : حدّثني أنّ بعض الشيوخ كان إذا أتي بإجازة يشهد فيها سأل الطالب المجاز عن لفظ إجازة ما وزنه وما تصريفه ؟ ثم قال الشاطبي : ولمّا حدّثنا بذلك سألناه عنها فأملى علينا ما نصّه : وزن إجازة في الأصل إفعالة ، وأصلها إجوازة فأعلّت بنقل حركة الواو إلى الجيم حملا على الفعل الماضي استثقالا ، فتحرّكت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها في اللفظ ، فانقلبت ألفا ، فصارت إجازة - بألفين - فحذفت الألف الثانية عند سيبويه ؛ لأنها زائدة والزائد أولى بالحذف من الأصلي « 2 » ، وحذفت الأولى عند الأخفش ؛ لأنها لا تدلّ على معنى وهو المدّ ، وقول سيبويه أولى ؛ لأنه قد ثبت عوض التاء من المحذوف في نحو « زنادقة » والتاء زائدة ، وتعويض الزائد من الزائد أولى من تعويض الزائد من الأصلي ، للتناسب ، ووزنها في اللفظ عند سيبويه إفعلة وعند الأخفش إفالة ؛ لأنّ العين عنده محذوفة ؛ انتهى .
--> ( 1 ) محمد بن علي بن أحمد الخولاني أبو عبد اللّه المعروف بابن الفخار الإلبيري النحوي . انظر بغية الوعاة 1 : 174 . ( 2 ) اختلف النحاة في الحرف الواجب الحذف في مثل هذه الحالة . فرأى سيبويه وجوب حذف الحرف الزائد ، ورأى الأخفش وجوب حذف الحرف الأول . وعلق محيي الدين عبد الحميد في حاشية على نفح الطيب 7 : 276 فرأى أن الزائد ليس بأولى بالحذف من الأصلي لأن الزائد قد أتي به لغرض في الكلمة ، وهو تعليق لطيف يمكن النظر إليه .